الزركشي

556

البحر المحيط في أصول الفقه

لا يجوز لأحد أن يقلد أحدا إلا الرسول فمن فهم منه أن قبول قوله يسمى تقليدا فقد غلط وتقليد الرسول لا يجوز وإنما صورته صورة التقليد وليس في الحقيقة تقليد وذلك أنه إن سئل عن شيء فأجاب كان جوابه في الصورة مثل أن يسأل الشافعي فيجيب لكن حقيقة التقليد قبول قول المجيب بغير دليل فجواب الشافعي لا يمكن هنا فلا بد فيه من الدليل وجواب الرسول بعينه حجة ودليل فلا يكون مثله في الجواب انتهى . وذكر بعضهم للنص تأويلين : أحدهما أن المعنى أنه لا يجوز لكل أحد تقليد أحد بعد الرسول بل يفترقون فعالمهم لا يقلد وعاميهم يقلد وأما الرسول فنسبة العالم والجاهل إليه سواء والكل بالنسبة إليه بمنزلة الجاهل عند المجتهد يأخذ بقوله تقليدا بل لأنا قد قلنا إن للعامي سؤال العالم عن مأخذه ولا كذلك الرسول فليس لعامي ولا للعالم أن يقول له لم ولا من أين وهذا التأويل أبقى لكلام الشافعي في المستثنى والمستثنى منه على ظاهره وليس فيه عمل إلا في تعميم قوله أحد على أن المعنى كل أحد . وثانيهما إبقاء الكلام على ظاهره من كل وجه وهو مبني على أنه لا يقلد إلا الرسول صلى الله عليه وسلم وأما المجتهد فلا يقلد وذلك أن معنى التقليد أن يلقي المرء المقاليد ويطرح كله ويجعل اعتماده فيما يقع له من الحوادث وفي تفرق حملها على الرسول والرجوع إليه في كل نائبة ندرة وإنما تطمئن فيمن لا يخطئ وذلك هو من قوله حجة وهو الرسول صلوات الله وسلامه عليه . فإن قلت والرجوع إلى المجتهد رجوع إليه قيل ولكن لا وثوق بصواب المجتهد فإذا لا يقلد إلا الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى هذا ينبغي أن يحمل نهي الشافعي عن التقليد حيث قال المزني هذا مختصر اختصرته من علم الشافعي ومن معنى قوله مع علمه نهيه عن تقليده وتقليد غيره انتهى فعلى التأويل الأول يقلد وعلى الثاني لا يقلد فتواه وأما دعوى القاضي الاتفاق على أن الرسول لا يقلد فكان الحامل له على ذلك اعتقاده أن المقلد شاك فيمن يقلده وليس ذلك عندنا بل المقلد لا شك عنده لوثوقه بالمقلد الذي ألقى بتقاليده إليه ولما تقارب الخلاف زعم إمام الحرمين أنه لفظي ولما اعتقد القاضي أن اتباع العامي تقليد وأن المقلد شاك مع التقليد تبعا للشيخ أبي الحسن الأشعري وهي مسألة إيمان المقلد التي تعزى لأبي الحسن ولذلك أطلقنا الكلام في بيان معنى التقليد ليخرج منه هذه المسألة ومن ثم عقد القاضي في